كسر الحواجز: رحلة “جيهان” في التوعية الصحية

القصص والملتيميديا, المقالات

منال أمين (منصة صلات) – خاص

في قرية “سعنب اخدوع”، الواقعة في جبال مديرية مقبنة بمحافظة تعز جنوب غرب اليمن، بدأت جيهان أحمد، مهمتها الإنسانية الأولى بعيدًا عن محيطها المألوف. الصيدلانية البالغة من العمر 30 عاماً انضمت إلى فريق محلي مع إحدى المنظمات المجتمعية، لتنفيذ برامج توعية صحية في منطقة ريفية نائية، لم يسبق لها أن زارتها أو سمعت بها من قبل.

الوصول إلى القرية لم يكن قرارًا سهلًا. فقد واجهت جيهان تحفظات أسرية نابعة من مخاوف تتعلق بالسفر وخطورة العمل الميداني للنساء في مناطق بعيدة، في ظل أعراف اجتماعية لا تزال تقيد حركتهن، لا سيما في غياب مرافق من الأسرة. ومع سفر إخوتها خارج البلاد، ازدادت هذه المخاوف. إلا أن التزام جيهان بدورها المهني، وإصرارها على المشاركة في العمل الإنساني، ساهما في تجاوز هذه التحديات، ومهّدا الطريق لبدء مهمتها.

بداية الرحلة الإنسانية

في منتصف شهر يوليو من العام الحالي 2025 تحديداً في يوم الاحد13   يوليو، ومع ساعات الفجر الأولى، غادرت جيهان منزل أسرتها في مدينة تعز بعد وداع مختصر لوالدتها، التي عبّرت عن قلقها من الرحلة وطول الطريق. اكتفت جيهان بابتسامة مطمئنة قبل أن تبدأ رحلتها نحو قرية سعنب أخدوع.

تبعد القرية نحو 45 كيلومترًا عن مدينة تعز، إلا أن ظروف الصراع المستمر جعلت مسافة الطريق أطول وأكثر تعقيدًا، نتيجة إغلاق بعض الطرق وانتشار نقاط التفتيش. رافقت جيهان إحدى زميلاتها في المنظمة خلال الرحلة إلى المنطقة الجبلية النائية، التي يزداد الوصول إليها صعوبة، خصوصًا خلال موسم الأمطار، حيث بدأت هناك أولى خطوات مهمتها الميدانية.

تقع منطقة أخدوع أعلىفي مديرية مقبنة التابعة لتعز، يسكنها أكثر من 8477 نسمة، موزعين على نحو 1845 أسرة، وفقاً لبيانات إسقاط التعداد السكاني في اليمن لعام 2014.

تعاني البلدة من عزلة خانقة، وتفتقر الى أبسط الخدمات، وطرقها ترابية ضيقة تربط بين مناطقها الثلاث “وادي البرح” و “بحرية” و”العقيدة”، ولا تتجاوز مدة الوصول بين تلك المناطق بالسيارة والموترات ( دراجة نارية) نصف ساعة، لكن الوصول إلى مركز المديرية يتطلب ساعة إضافية عبر طرق وعرة تزيد من مشقة الحياة اليومية للسكان.

تقول جيهان: “أثناء سفري لفت نظري مشاهد لنساء يحملن قناني المياه البلاستيكية على رؤوسهن بعد ساعات من السير في طرق خطرة لجلب المياه من آبار تقع في أماكن بعيدة”.

وتضيف: “أكوم القمامة في كل مكان، بينما يلعب أطفال حفاة بين الصخور والأشواك في بيئة جرداء، ومزارع القرية التي كانت مصدر رزقهم، أصبحت خاوية بعد أن اجتاحتها سيول مدمرة، إثر منخفض جوي شديد تسبب في تدفق أمطار غزيرة غير معتادة من المرتفعات الجبلية، فأصبحت تعاني من نقص شديد في المحاصيل الزراعية, مما أدى الى انتشار سوء التغذية.”

وفقاً للتقارير، تعرضت مديريات جبل حبشي في أغسطس وحتى سبتمبر 2024-2025، إلى موجات عارمة من الفيضانات المفاجئة. وحسب بيان صحفي أعلنت سلطات مديرية جيل حبشي ان السيول جرفت أكثر من 11 بئرًاً كانت مصدرًا أساسيًا لمياه الشرب والري، كما تضررت المئات من المنازل، وانهارت جدران مبنية من الطين والحجارة، وفقدت العديد من الأسر مأواها، ودمرت مساجد قديمة، فيما شهدت المديرية وفيات وفقدان أشخاص نتيجة الكارثة، وسط الإهمال وغياب الاستجابة الرسمية.

الواقع الإنساني لقرية نائية

واجهت جيهان الواقع الإنساني الصعب الذي يعيشه سكان القرية، حيث تكاد الحياة الاقتصادية تكون معدومة، في ظل أوضاع صحية متدهورة نتيجة شح مصادر المياه الآمنة. دفعت الأهالي للاعتماد على مياه ملوثة، ما يزيد من خطر انتشار أوبئة خطيرة، أبرزها الكوليرا.

وقالت جيهان: “لاحظت أن معظم المنازل تفتقر إلى دورات المياه الصحية (حمامات) ، ما يدفع الأهالي، نساءً ورجالًا، لقضاء حاجاتهم في العراء وسط ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة.”

تأثرت جيهان بشدة بما رأته، شعرت في داخلها بأهمية قرارها وإصرارها على المجيء، معتبرة أن اختيارها العمل في مجال التوعية الصحية، كان خطوة صائبة. وبعد رحلة شاقة استغرقت قرابة خمس ساعات، وصلت جيهان إلى القرية برفقة زميلتها.

لم تأخذ جيهان وقتًا للراحة، إذ دفعها ما رأته من ممارسات صحية خاطئة إلى بدء عملها فورًا في عملية الاستفسار والتوعية بنفس الوقت، فقد لاحظت انتشار عادات سلبية تهدد صحة الأهالي، مثل “استخدام نفس أواني المياه للاغتسال قبل الأكل من أكثر من شخص، والإهمال في التعامل مع الأمراض المعدية، واستخدام الخرافات في العلاج من بعض الامراض، وذلك في ظل الافتقار لمراكز أو خدمات رعاية صحية في القرية. وانعدام شبكات المياه والصرف الصحي وحتى المدارس النظامية، باختصار منطقة منعزلة تماماً عن الحياة” حسب ما قالت جيهان.

تصحيح المفاهيم الصحية

اختارت جيهان البقاء في القرية أسبوعًا كاملًا، ضيفة لدى أحدى نساء المنطقة، متنقلة بين مساكنها ومناطقها الزراعية، في مهمة التوعية الصحية خاصة في منقطة وادي “البرح” و “بحرية” ومنطقة “العقيدة”، ساعية لفهم واقع الحياة اليومية لسكانها، والتواصل المباشر مع النساء والأطفال وحتى الرجال، من خلال جلسات توعية صحية شاملة.

  تقول جيهان: “ركزت على تعليم النساء أساسيات النظافة الشخصية والوقاية من الأمراض المعدية مثل الكوليرا وكورونا، وأهمية غسل اليدين بالماء والصابون، واستخدام الحمامات بطريقة آمنة وصحية، كما نشرت الوعي البيئي حول ضرورة الحفاظ على نظافة المنازل والمناطق المحيطة، والتخلص من الممارسات المضرة بالبيئة والصحة، كما علمتهم كيفية إنشاء حفر مغطاة للنفايات بدلًا من رميها قرب المنازل، لتقليل انتشار الحشرات”.

امتدت جهود جيهان وزميلتها إلى رفع مستوى الوعي الغذائي، فشجعت الأمهات على إعداد وجبات متوازنة من الموارد المحلية، وشرحت طرق التغذية التكميلية للأطفال بدءًا من الشهر السادس بالطريقة والكمية المناسبة، إضافة إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الرضاعة الطبيعية وأهمية الساعات الأولى بعد الولادة، وتغذية الطفل في سنواته الأولى.

لم تكتفِ جيهان بذلك، بل عملت على تعريف الأهالي بأساليب الوقاية من الأمراض المنتشرة، وأهمية تعقيم المياه عبر غليها، كما دربتهم على استخدام صندوق الإسعافات الأولية، وشملت حملتها التوعوية أيضًا الحديث عن أضرار القات ودوره في تفاقم سوء التغذية، في محاولة لتغيير عادات صحية راسخة منذ سنوات.

اعتمدت جيهان في مهمتها التوعوية والصحية داخل قرية “سعنب أخدوع” أسلوبًا بسيطًا وسلسًا، مدركة أن معظم الأهالي، خصوصًا النساء، لا يقرأن ولا يكتبن، كانت تجيب عن أي تسأل من قبلهم، واستعانت بصور ووسائل إيضاح بسيطة سهلت تواصلها مع النساء، اللواتي أقبلن عليها بفضول وطرح أسئلة متنوعة، ما عكس أثر التوعية والاستفادة الإيجابية في نفوسهن.

جهود جيهان امتدت إلى التوعية بأخطر الأمراض المنتشرة في المنطقة، فقد شرحت أسباب الإصابة بالكوليرا وطرق الوقاية منها، وقدمت للأهالي تدريبًا عمليًا على الإسعافات الأولية وتحضير محلول الإرواء في المنازل، إلى جانب حملات توعية بمرض الإسهالات المائية، وفيروس كورونا، وسبل الوقاية منهما بشكل مبسط، كما شجعت الأهالي على تنظيم حملات نظافة دورية، والعمل على بناء دورات مياه داخل بعض المنازل.

غادرت جيهان القرية عقب انتهاء مهمتها التوعوية، بعد تجربة وصفتها بـ”المؤثرة والمُلهمة”. وبرغم بساطة الأنشطة المنفذة، أظهر تفاعل أهالي البلدة مؤشرات على تحسن الوعي المجتمعي. ومع اختتام المهمة، حافظت جيهان على التواصل مع عدد من السكان، في إطار متابعة الأثر وضمان استمراريته.

   ” كم أتمنى أن تنظر السلطة المحلية في تعز والحكومة بشكل عام إلى هذه المنطقة التي تعد منعزلة تمامًا عن الحياة، وهي بحاجة ماسة إلى الاهتمام، على الأقل بإنشاء مركز صحي ومدرسة واحدة“. قالت جيهان.

استجابة إيجابية

سمية علي بن علي (40 سنة)، احدى نساء القرية، حضرت جلسات التوعية منذ اليوم الأول، وكانت تجهل كيفية تحضير محلول الإرواء البسيط لإنقاذ طفل مصاب بالجفاف، ولم تكن تدرك أن مياه الشرب غير المغلية مصدر غير صحي، ولكن اليوم، تغيرت حياتها تمامًا، إذ باتت تغلي الماء قبل الشرب، وتشارك ما تعلمته مع جاراتها، وتحاول تحسين صحة أسرتها.

   تقول سمية: ” إن التغيير لم يقتصر لي وحدي بل الكثير من الأسر صاروا يغسلوا أيديهم قبل الأكل وبعده، ويغطوا الأكل، واصبحنا نراعي باهتمام المحافظة على نظافة بيوتنا بشكل اكثر، وصارنا نستخدم الحمامات بدلًا من قضاء الحاجة في العراء، حتى القمامة، لم نعد نرميها جنب البيوت؛ إذ لم نكن نعي خطورة ما نقوم به إلا بعد أن حضرنا عملية التوعية الصحية.”

أما أبو عبدالله رسام (40 عامًا) فقد كان مثالًا على التغير السلوكي الذي أفرزته جلسات التوعية؛ فبعد مشاركته فيها، إلى جانب تأثر نساء أسرته بالأنشطة المصاحبة، قرر إنشاء دورة مياه صحية حديثة، داخل منزله للمرة الأولى، في خطوة غير شائعة بين عدد من سكان القرية الذين تفتقر منازلهم لمرافق صحية نظيفة. ويصف هذه الخطوة بأنها “بداية لتحسين ظروف المعيشة لأسرته، وانعكاس إيجابي محتمل على مجتمعه المحلي”.

حسنة عبدالوهاب (60 سنة)، احد الأمهات من القرية، تروي حجم التغيير الذي أحدثته التوعية، فقد كانت مثل كثير من نساء القرية يقمن بعادات غير صحية وخاطئة، إذ لا ترى خطرًا في شرب الماء غير المغلي أو ترك الطعام مكشوفًا.

تقول حسنة: “كنت أظن الوقاية بس للشباب، بس اكتشفت إنها تبدأ مني أنا؛ من الكبير إلى الصغير”. واليوم، أصبحت حسنة تغلي الماء، وتغسل يديها بالصابون قبل الأكل وبعده، كما تعلمت تحضير محلول الإرواء بنفسها استعدادًا لأي طارئ، لها ولأحفادها، لم تكتف بتغيير عاداتها، بل أصبحت قدوة في حارتها، تنصح جاراتها وبناتها وحفيداتها، وتنشر ما تعلمته بكل حب وخوف على جيرانها.

ــــــــــــــ

* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) عبر منظمة (FVO) وبدعم اليونسكو (UNESCO).

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top