لحج: السموم تسلب عين جبران وتهدد الأخرى

القصص والملتيميديا, المقالات

إصلاح صالح (صلات)

بين حقول البصل في محافظة لحج جنوب غرب اليمن، دفع جبران حمادي (45 عامًا) ثمنًا فادحاً للغاية في سعيه لتأمين لقمة العيش، حيث فقد إحدى عينيه متأثراً بسموم المبيدات الزراعية التي يرشها على المحاصيل الزراعية. 

وعلى الرغم من ذلك، لم يجد أمامه أية خيارات غير مواصلة العمل بعين واحدة ليعيل أسرته، فالأمر لا يحتمل التوقف ولو على حساب عينه الاخرى. هذه الحادثة ليست استثناء، بل حالة واحدة لمعاناة مئات المزارعين الذين يواجهون يوميًا مخاطر التعامل مع المبيدات والسموم الزراعية في ظل عدم الاكتراث بأدوات الوقاية وقلة التوعية، وضعف الرقابة الرسمية، ما يجعلهم عرضة لإصابات خطرة وحوادث مأساوية تدفع ثمنها أسر بأكملها.

تشكل المبيدات والسموم الزراعية في اليمن تهديداً خطيراً، وهي لا تقتصر أضرارها على المحاصيل والتربة الزراعية، والمياه، بل تطال صحة المزارعين أنفسهم، وعائلاتهم أيضاً في أحيان كثيرة.

غياب إجراءات الوقاية

لم يدرك جبران حمادي، وهو مزارع بالأجر اليومي في مديرية تبن بمحافظة لحج، وأب لسبعة أبناء، أن عمله في رش المبيدات سيكلفه فقد إحدى عينيه. فخلال رشه مزرعة بصل في منطقة الحبيل تسلّلت إلى عينه قطرة من مبيد حشري يعرف بـ “جهران 440″، ما ألحق أضرارًا بالغة استدعت استئصال العين طبيًا.

ورث هذا الفلاح، مهنة الرش عن والده دون الحصول على تدريب أو معرفة في هذا المجال، وهو يضطر اليوم إلى مواصلة العمل بعين واحدة لتأمين قوته، رغم الألم الذي يضاعفه الغبار والريح على عينيه. غير أنه يعمل دون الاستعانة بأي معدات أو ملابس وقاية، كما لا يستخدم نظارات لحماية عينيه، ما يجعله عرضةً مباشرةً لاستنشاق المواد السامة وامتصاصها عبر الجلد.

وفي حديثه لمنصة (صلات)، قال حمادي إن أجره اليومي متقلب “أحيانًا خمسة ألف وأحيانًا سبعة في اليوم”، مشيراً أن إصابته الأخيرة دمرت نفسيته، لكنه لا يملك خيارًا سوى العودة إلى العمل لغياب أي مصدر دخل آخر.

الفلاحون ضحايا المبيدات 

مأساة الفلاح حمادي ليست الوحيدة في هذا الجانب، ففي العام 2007 أصيب علي مكيش مصعبين (70عامًا) بشلل في أعصاب الوجه، نتيجة عمله في رش المبيدات كأخصائي وقاية نباتات في جهاز الإرشاد الزراعي بمدينة جعار محافظة أبين جنوب البلاد، طيلة عمله خلال الفترة 1974- 2010. 

وذكر مكيش لمنصة (صلات)، أن عشرة آخرين من الذين كانوا يعملون في مجال الوقاية تحت إشرافه توفوا أثر إصابتهم جميعا بمرض السرطان نتيجة لتعاملهم مع المبيدات بصورة شبه يومية، في ظل عدم توفر أي وسائل أمان أو توعية ولم تهتم أي جهة بقضيتهم.

في حديثه لمنصة (صلات)، قال المهندس الزراعي عبد القادر السميطي، إن جميع المبيدات الزراعية على اختلاف أنواعها وأسمائها التجارية تحمل مخاطر صحية وبيئية محتملة، حتى تلك التي تم السماح بها من الجهات المختصة، فتراخيص المبيد لا يعني انعدام الضرر، وإنما يدل فقط على أن استخدامه مسموح ضمن ضوابط وإجراءات محددة.

ويشير السميطي أن مبيد “جولد جهران 440” الذي أصيب به حمادي، يُصنَّف كمبيد حشري يحتوي على تركيبة بروفينوفوس، وهي مادة مسجَّلة كمبيد حشري يجب التعامل معها بحذر وفق الإرشادات المعتمدة.

تهديد خطير للصحة

تعد المبيدات والسموم الزراعية من المدخلات الأساسية في حماية المحاصيل من الآفات والأمراض، إلا أن استخدامها ينطوي على مخاطر صحية كبيرة على الإنسان والكائنات الحية الأخرى. فقد أظهرت تقارير محلية أن التعرض المباشر أو المستمر لهذه المواد الكيميائية قد يؤدي إلى آثار خطيرة ومتنوعة على الجسم، تصل في بعض الحالات إلى تهديد الحياة.

ويؤكد لمنصة (صلات)، أستاذ المبيدات في قسم الوقاية بكلية ناصر للعلوم الزراعية، الدكتور صالح عثمان، أن “المبيدات لها تأثيرات خطيرة على الجهاز العصبي والجهاز التنفسي والجهاز التناسلي، ومنها ما هو مسرطن، ويعتمد التأثير على الجرعة ونوعيته، فهناك سمية حادة وأخرى مزمنة نتيجة التعرض لجرعات منخفضة من المبيد لعدة سنوات قد يسبب أمراضًا يصعب علاجها ولا تظهر أعراضها إلا بعد زمن طويل”.

وبحسب عثمان، تتنوع أعراض التسمم بالمبيدات بين ضيق في التنفس، طفح جلدي، التهابات، تشوش في الرؤية، وموت خلايا النحل، بل قد تصل إلى الوفاة. ويؤكد أن حالة المزارع الذي فقد إحدى عينيه مثال حي على خطورة التعرض المباشر لهذه المواد.

رش المبيدات بطرق عشوائية 

لا تتوقف خطورة المبيدات عند مكوناتها الكيميائية السامة، بل تمتد إلى الطرق العشوائية التي يستخدمها المزارعون في رشها، ما يحولها إلى تهديد مباشر لصحتهم وصحة المستهلكين. 

وفي حديثها لمنصة (صلات)، حذرت مديرة إدارة الوقاية في محافظة لحج، وفاء محمد ناصر، من مخاطر المبيدات، وقالت: “معظم المزارعين في اليمن يستخدمون المبيدات بطرق خاطئة وعشوائية، دون الوعي بخطورة تأثيراتها، مما يؤثر على صحتهم وصحة المستهلكين على حد سواء”.

“إن غياب الوعي بمخاطر استخدام المبيدات والظروف الاقتصادية الصعبة تدفع المزارعين إلى رش المبيدات من دون استخدام أدوات وقاية مثل الملابس الخاصة بالرش والكمامات وقفازات اليدين، ما يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطان وأمراض الكبد والكلى، بل أن بعضهم يعيدون استخدام عبوات المبيدات الفارغة لأغراض أخرى”. قالت وفاء ناصر.

وأضافت لـ صلات: “يستخدم المزارعون المبيدات بطرق خاطئة، فيهملون معايرة آلة الرش، والتوقيت المناسب للرش، وما هي الآفة التي يكافحها، كما يرش المزارع المبيدات عكس اتجاه الريح، بالإضافة إلى أنهم لا يلتزمون بفترة الأمان بعد رش المبيدات، حيث يقومون بجني المحاصيل بعد 3-4 أيام من رش المبيدات، بينما يشارك الأطفال أسرهم أحيانًا في عمليات الرش، مما يفاقم المخاطر الصحية بشكل كبير”.

غياب الرقابة والإرشاد الزراعي

يواجه المزارعون في اليمن تحديات كبيرة بسبب غياب الرقابة الفعالة من الجهات الرسمية المسؤولة عن حماية القطاع الزراعي، فقلة البرامج التوعوية والتدريبية التي توجه المزارعين حول طرق رش المبيدات بشكل آمن، إلى جانب ضعف القوانين واللوائح التي تُلزمهم باتباع إجراءات السلامة، يزيد من خطر التعرض للمبيدات وتأثيراتها الصحية الخطيرة.

وحسب تقارير، فإن هذا النقص في الرقابة والدعم يجعل المزارع يعتمد على خبراته الذاتية أو الممارسات التقليدية، مما يعرض حياته وحياة أسرته إلى مخاطر جسيمة، ويؤثر سلبًا على جودة الإنتاج الزراعي وسلامة البيئة، وهذا ما أكدته مديرة إدارة الوقاية في محافظة لحج، وشددت على ضرورة تفعيل الأنشطة الوقائية والإرشادية، ودعم المزارعين بوسائل وقاية بأسعار مناسبة، والتوجه نحو بدائل محلية آمنة مثل مبيد “النِّم” والمعروف أيضًا بـ”المريمرة”، وهو منتج طبيعي فعال في مكافحة العديد من الآفات الزراعية.

ـــــــــــــــــ

* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من منظمة اليونسكو (UNESCO)

 

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top