■ صابر الجرادي (صلات)
في اليمن، حيث أعادت سنوات الصراع والعنف وعدم الاستقرار، رسم حدود الفضاء العام، باتت الصحافة مهنة محفوفة بالعديد من المخاطر الأمنية والقيود السياسية في البلاد. وضمن هذا المشهد المعقّد، تعمل الصحفيات اليمنيات في بيئة تتداخل فيها التحديات المهنية مع ضغوط اجتماعية واقتصادية متراكمة.
وفي بلد يشهد نزاعًا مستمرًا منذ عقد، لا تقتصر التحديات التي تواجهها المرأة في مجال الإعلام على طبيعة العمل الصحفي بل تمتد إلى ثقافة اجتماعية نمطية وتقليدية، ما زالت تشكك في شرعية وجودها في المجال العام، وتفرض قيودًا على حركتها ودورها المهني.
يستعرض هذا التقرير جزءاً من واقع الصحفيات اليمنيات، بالاستناد إلى تقارير حقوقية محلية ودولية منشورة بين عامي 2022 و2025، إلى جانب شهادات وأراء لصحفيات يعملن في مؤسسات إعلامية مختلفة، بهدف تسليط الضوء على واقع عملهن داخل بيئة حساسة للنزاع.
واقع هش وقيود متشابكة
تعمل الصحفية اليمنية في بيئة قانونية ومؤسسية غير مستقرة، تتداخل فيها العوائق الاجتماعية مع التحديات الأمنية والاقتصادية، ما يحد من قدرتها على ممارسة عملها بحرية وأمان.
تشير بيانات المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في تقرير نُشر عام 2023، إلى أن النساء يشكّلن نحو 11% فقط من أعضاء نقابة الصحفيين اليمنيين، وهو ما يعكس فجوة واضحة في التمثيل المهني والنقابي، ويحد من قدرة الصحفيات على التأثير في السياسات النقابية أو الدفاع الجماعي عن حقوقهن.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، حيث فُرضت قيود على تنقّل النساء دون مرافق ذكر، وهو إجراء انعكس بشكل مباشر على قدرة الصحفيات على تغطية الأحداث الميدانية أو التنقل بين المحافظات، وفق التقرير ذاته.
وتفيد تقارير إعلامية محلية بأن بعض المؤسسات تفضّل إسناد المهام الميدانية للصحفيين الرجال، باعتبار أن توظيف الصحفيات في هذه الظروف قد يفرض “تعقيدات إضافية” تتعلق بالحركة والسلامة.
الفضاء الرقمي: ساحة ضغط موازية
مع توسّع العمل الإعلامي عبر المنصات الرقمية، واجهت الصحفيات اليمنيات شكلًا آخر من التحديات، تمثّل في العنف القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء الإلكتروني.
ويذكر الاتحاد الدولي للصحفيين، في بيان صدر عام 2022، أن “عددًا من المذيعات اليمنيات تعرّضن لحملات تشويه ذات طابع جنسي، استهدفت النيل من سمعتهن المهنية وربط ظهورهن الإعلامي باتهامات أخلاقية”.
وفقاً لتقرير مشترك صادر عن منظمة دعم الإعلام الدولي (IMS) ومنصة يمن أونلاين (Yemen Online) عام 2024، أفادت نحو 60% من الصحفيات اليمنيات بتعرّضهن لشكل من أشكال العنف الرقمي، فيما عبّرت 93% منهن عن قلق دائم من المضايقات عبر الإنترنت. كما أشار التقرير إلى أن 63% من الصحفيات يلجأن إلى إخفاء هوياتهن عند نشر محتوى حساس.
وبحسب التقرير، تتنوع هذه الانتهاكات بين التشهير، وفبركة الصور، والتهديدات المباشرة، والابتزاز الرقمي، مما ينعكس سلباً على السلامة النفسية للصحفيات، وعلى قدرتهن على الاستمرار في العمل.
انتهاكات وغياب الحماية
لا تقتصر التحديات على الفضاء الرقمي وحسب، إذ تواجه الصحفيات اليمنيات مخاطر ميدانية مباشرة في ظل غياب أطر قانونية فعّالة تحميهن أثناء العمل.
في تقرير نُشرته مطلع عام 2025، وثّقت منظمة صحفيات بلا قيود، 75 انتهاكًا ضد الصحفيين في اليمن خلال العام 2024، شملت القتل والاختطاف والاحتجاز والتهديد. وحمّل التقرير جماعة الحوثي مسؤولية 42% من هذه الانتهاكات، مقابل 32% لقوات تابعة للحكومة المعترف بها دوليًا، فيما توزعت النسبة المتبقية على أطراف أخرى.
ويشير تقرير منظمة دعم الإعلام الدولي لعام 2024، إلى غياب تشريعات واضحة تجرّم التحرش الجنسي داخل المؤسسات الإعلامية، إضافة إلى ضعف تطبيق حقوق العمل الأساسية، ما يترك الصحفيات في وضع هش عند تعرّضهن لانتهاكات داخل بيئة العمل نفسها.
أصوات من واقع العمل
في حديثها لمنصة (صلات)، تقول فرح قائد، وهي مذيعة وصحفية عملت في عدد من الإذاعات المحلية بعدن، إن دخولها إلى المجال الإعلامي لم يكن مدعومًا بأي شبكة علاقات أو خلفية عائلية.
وتوضح أنها جاءت من محافظة بعيدة، وبدأت مسارها بدراسة الإعلام، قبل أن تحصل تدريجيًا على فرص في التقديم الإذاعي. وتضيف أن التحديات التي واجهتها لم تكن مهنية فقط، بل ارتبطت أيضًا بنظرة اجتماعية تقلل من كفاءة المرأة الإعلامية.
“بعض المؤسسات تميل إلى إسناد مهام أكثر تأثيرًا للصحفيين الرجال، فيما تُعامل الإعلاميات أحيانًا كواجهات شكلية، ما يفرض عليهن جهدًا مضاعفًا لإثبات الجدارة المهنية”. قالت فرح قائد.
من جانبها، ترى الإعلامية عهد ياسين، مذيعة ومقدمة برامج تلفزيونية، أن طبيعة العمل الصحفي في اليمن تفرض ضغوطًا مضاعفة على النساء. وتذكر أنها تلقت تهديدات مباشرة دفعتها إلى مغادرة البلاد، لكنها ترى أن الاستمرار في العمل الإعلامي كان مرتبطًا بقناعتها بدور الصحافة في إيصال صوت الفئات المحرومة.
أما الصحفية الحقوقية، رقية دندنة، قالت لمنصة (صلات) إن مسارها المهني واجه أحكامًا مسبقة تشكك في قدرات الصحفيات، أو تحصر أدوارهن في مهام محدودة. وتضيف أن بعض المؤسسات تفرض اشتراطات تتعلق بالمظهر الخارجي، معتبرة أن هذه الممارسات تُهمّش جوهر العمل الإعلامي القائم على المحتوى والرسالة.
وفي شهادة أخرى لصحفية تعمل باسم مستعار (فضلت عدم ذكر أسمها)، قالت لمنصة (صلات) أنها تضطر لإخفاء هويتها أثناء التغطيات الميدانية، خشية التعرض للاحتجاز أو مصادرة معداتها. وتضيف أن القيود المفروضة على حركة النساء أدت إلى فقدانها فرصًا مهنية، لصالح زملاء رجال أُرسلوا بدلًا عنها.
من النظرة الاجتماعية إلى التمييز
تشير تقارير حقوقية إلى أن القيود الاجتماعية لا تبقى في إطارها النظري، بل تتحول إلى ممارسات تمييزية داخل المؤسسات الإعلامية.
وبحسب تحليل صادر عن منظمة دعم الإعلام الدولي عام 2024، فإن توزيع المهام داخل غرف الأخبار غالبًا ما يتأثر بعوامل جندرية، حيث تُسند التغطيات السياسية أو الميدانية للرجال، فيما تُحصر الصحفيات في أدوار أقل تأثيرًا.
وفي تصريحات سابقة لوسائل إعلام، قالت الخبيرة الحقوقية، أمل الباشا، رئيسة المنتدى العربي لحقوق الإنسان، أن غياب التشريعات الرادعة والتحيّزات الاجتماعية المتجذرة يسهمان في تقويض مشاركة النساء في الإعلام، مؤكدة أن التمييز المهني يعكس بنية اجتماعية أوسع.
العمل في بيئة غير داعمة
تُعد تجربة فرح قائد مثالًا لمسار مهني تشكّل في بيئة تفتقر للدعم المؤسسي. فقد استطاعت، بجهدها الشخصي، الانتقال من الدراسة الأكاديمية إلى العمل الإذاعي، وصولًا إلى تقديم برامج في أكثر من وسيلة إعلامية محلية. وترى أن نجاحها ارتبط بإيمانها بأن الإعلام مسؤولية مهنية، لا وسيلة للظهور أو الشهرة.
تفصح كل تلك التقارير، عن واقع معقّد تعيشه الصحفيات اليمنيات، حيث تتقاطع القيود الاجتماعية مع التحديات الأمنية وغياب الحماية القانونية. وتُظهر البيانات والشهادات أن ما تواجهه الإعلاميات لا يندرج ضمن حالات فردية، بل يعكس بيئة عمل تتسم بالهشاشة وعدم المساواة.
هذا الوضع يتطلب الحاجة لمعالجات مؤسسية وتشريعية تضمن سلامة الصحفيات وحقوقهن وسلامتهن، بما يعزز دور الإعلام كمساحة مهنية قائمة على الكفاءة والعدالة، بعيدًا عن التمييز القائم على النوع الاجتماعي.
ـــ
* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من منظمة اليونسكو (UNESCO).
