هلال وأبناؤه: التمكين والتكيف مع المجتمع

القصص والملتيميديا, المقالات

نورا فهد (صلات)

كان شعورًا صعبًا وأنا أشاهد السنوات تمر بدون جدوى، وأبنائي لم يتلقوا أي تعليم يُذكر، وما زاد من ألمي أنه لم يكن بيدي أي شيء أفعله لإنقاذ وضعهم

بهذه الكلمات الموجعة يلخص هلال عمر (50 عامًا) وهو أب لثلاثة أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، معاناته الطويلة من حرمان أبنائه من حقهم في التعليم، كونهم يعانون من الصمم وفقدان السمع.

في احدى قرى كهال بمديرية المنار الريفية التابعة لمحافظة ذمار جنوب العاصمة صنعاء، يقيم هلال، وهو يعمل على رعاية ابناءه الثلاثة: لبنى (18 عامًا) وبلقيس (16 عامًا) وعبد الرقيب (12 عامًا).

وفي حديثة لـ منصة (صلات) قال هلال أن وسيلة التواصل الوحيدة التي كانت متاحة بينه وبين أبنائه في ذلك الوقت هي لغة الإشارة المنزلية، وهي طريقة بدائية تعتمد على الإيماءات، تعبيرات الوجه، وحركات اليدين والجسم، وهي الطريقة التي يستخدمها الصم والبكم الذين لم تتسن لهم الفرصة لتعلم لغة الإشارة الرسمية، فيقومون بتطويرها بشكل خاص مع أفراد أسرهم للتواصل اليومي.

يقول هلال: ”بسبب عدم وجود مدرسة متخصصة بذوي الاحتياجات الخاصة في القرية، اضطررت إلى تدريس أبنائي في المدارس العامة مع المفصحين، على أمل أن يتعلموا ولو الشيء اليسير، لكنهم لم يستفيدوا شيئًا“.

كانت تلك المرحلة بالنسبة لهلال وأسرته بداية رحلة صعبة، تخللتها محاولات عدة لإنقاذ مستقبل أبنائه، إلى أن قادهم القدر إلى أمرٍ لم يكن بالحسبان غيّر مستقبلهم.

رُبّ ضارةٍ نافعة!

في العام 2021، قرر هلال عمر النزوح مع أسرته بسبب الحرب والصراع إلى مدينة التربة التابعة لمحافظة تعز جنوب غرب البلاد، بحثًا عن الأمان والاستقرار.

ورغم الظروف الصعبة التي صاحبت هذا النزوح، وما تلاها من تحديات ومصاعب معيشية، إلا أن الرجل لم ينسَ أو يتغاضَ عن أهم أولويات حياته، وهو مستقبل أبنائه الثلاثة وتعليمهم المستحق.

وقال هلال لـ (صلات): ”بعد أن نزحنا، بدأت البحث بشكل مستمر عن مدارس أو جهات تقدم دعمًا وتعليمًا متخصص لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، حتى تمكنت الحمد لله من العثور على جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة، التي تقدم برامج تعليمية وتمكينيه شاملة في عدة مجالات. 

يصف هلال تلك اللحظة: ”غمرني حينها شعور لا يوصف، كانت الفرحة تغمر قلبي لأنني شعرت بأن أبنائي سيحصلون على فرصة حقيقية للتعلم“. ويبين الرجل بأنه بالرغم أن المسافة الطويلة بين منزله ومبنى الجمعية، شكلت تحديًا إضافيًا لهم حيث يزيد التنقل من أعباء الأسرة المادية ويضيف لها ضغوطًا معيشية إضافية، إلا أن ذلك لم يكن عائقًا يمنعه أو يمنع أبنائه من استكمال التعليم، ولم يتردد لحظة في تسجيل أبنائه.

وتقول بلقيس، وهي تتذكر أول يوم لها في الجمعية: ”لن أنسى ذلك اليوم، فهو أحد أسعد أيام حياتي، لأنني شعرت لأول مرة أنني سأتمكن من التعلم بشكل طبيعي مثل أي شخص آخر، وأن هناك من يهتم بي ويقدرني“.

تغيير إِيجابي

بعد ثلاث سنوات من الدراسة في جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة، تغيّرت حياة أبناء هلال جذريًّا، حيث أصبحوا قادرين على الكتابة والتواصل بلغة الإشارة، ما مكنهم من التعبير عن أنفسهم بثقة بعد سنوات من العزلة.

”قبل أن أتعلم الكتابة ولغة الإشارة/ كان لا يفهمني أحد، سوى عائلتي التي تعودت على الإشارات المنزلية التي استخدمها، وكانت حياتي الاجتماعية محصورة على العائلة فقط، لكن الآن أستطيع التواصل بسهولة مع كل من حولي، وأكتب ما أشعر به“. قالت بلقيس.

وتقول شقيقتها الكبرى لبنى، أن الجمعية لم تعد مجرد مكان تعليمي بالنسبة لهم، بل أصبحت ملاذًا يستطيعون من خلاله إثبات أنفسهم، وشعروا أنهم أصبحوا جزء من المجتمع.

وفي حديثها لـ منصة (صلات)، قالت مديرة جمعية الشمايتين لذوي الاحتياجات الخاصة، خيرية الكباب،: ”أبناء هلال نموذج يحتذى بهم، فهم من الطلاب المتفوقين في الجمعية، وقد حصلوا على المراتب الأولى في دراستهم“.

من التعلم إلى الإنتاج

لم يتوقف التمكين الذي تلقاه أبناء هلال عند حدود التعليم فقط، بل تجاوز ذلك ليشمل برامج تدريبية متعددة ضمن الجمعية، من بينها تلقي دورات الخياطة والتطريز التي التحقت بها كل من بلقيس ولبنى.

وتقول بلقيس: ”في البداية، تعلمنا خطوة بخطوة كيفية الخياطة ، والآن أصبحنا قادرين على خياطة الأرواب والفساتين، إضافة إلى أننا نتقن فنون التطريز وصناعة الإكسسوارات اليدوية التي تضفي لمسة فنية مميزة على أعمالنا.“

”لقد بدأنا نستقبل طلبات خياطة صغيرة من أفراد العائلة والجيران، وهذا يعطينا حافز كبير، كما نشارك في المعارض التي تنظمها الجمعية بين الحين والآخر لعرض منتجاتنا فيها وبيعها“. قالت لبنى.

هذه البرامج التي هدفت إلى تطوير مهاراتهن العملية وتمكينهن اقتصاديًا واجتماعيًا، عززت ثقتهن بأنفسهن ومنحتهن فرصة للمشاركة الفعالة في المجتمع.

يقول هلال: ”أشاهد أبنائي وهم يحصدون المراتب الأولى في دراستهم، وأرى لبنى وبلقيس تمسكان الإبرة بثقة ويبدعان في فن الخياطة، ويغمرني شعور عميق بالفخر، وأشكر الله أن مستقبلهم لم يضيع كما كنت أخشى في السابق، بل أصبحت لهم حياة وأمل جديدان.“

______

* أنتجت هذه القصة عبر منصة (صلات) وبدعم من اليونسكو.

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top