■ محمد جمال الطياري (صلات)
في ظل تراجعٍ الاهتمام بقطاع الثروة الحيوانية في الريف اليمني، بسبب ارتفاع تكاليف العلاج وشحّ الخدمات البيطرية، برزت مبادرة فردية أطلقتها المهندسة الزراعية، لجين الوزير، الحاصلة على ماجستير في الإنتاج الحيواني، لتحيي هذا العمل الحيوي من جديد وتعيد الأمل للأسر الفقيرة التي تعتمد عليه كمصدرٍ رئيسي للدخل والمعيشة.
من سطح منزلها بدأت الحكاية
من بين تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، ووسط ظروف اقتصادية قاسية، اختارت الشابة اليمنية لجين الوزير أن تصنع طريقها الخاص، لا في مكاتب المؤسسات ولا في قاعات الجامعات، بل من سطح منزلها المتواضع، حيث بدأت أولى خطوات مشروعها الذي تحول لاحقًا إلى مبادرة ميدانية وطنية.
في حديثها لـ منصة (صلات) تقول لجين: ”المبادرة ناتجة عن بحث أكاديمي وتجربة ميدانية، وهي مشروعي الخاص الذي أنشأته على سطح منزلي منذ ست سنوات أي من العام 2019“.
في ذلك السطح، بدأت لجين بتربية الدجاج والأغنام، تطبّق عمليًا ما تعلمته في كلية الزراعة – قسم الإنتاج الحيواني. وتستشير أطباء بيطريين لتطوير خبرتها في علاج المواشي، شيئًا فشيئًا تراكمت التجربة، وتحوّلت المعرفة الأكاديمية إلى خبرة ميدانية جعلتها أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات على أرض الواقع.
وتضيف أنها مع بداية العام الجاري، قررت أن تخطو خطوة أكبر بإطلاق مبادرة مجانية لمعالجة الثروة الحيوانية في القرى اليمنية؛ كانت البداية من منطقة بني مطر بمحافظة صنعاء، حين تواصلت معها إحدى المؤسسات وطلبت منها النزول الميداني لمدة شهر ونصف لعلاج المواشي، كان قد رفض الأطباء الآخرون النزول إلا بمقابل مادي مرتفع، فبادرت لجين بالنزول مجانًا، مقدّمةً خدماتها الإنسانية دون أي مقابل.
ومن هناك، وُلدت الفكرة بشكلها العملي، مبادرة تهدف إلى إحياء قطاع الثروة الحيوانية ومساعدة الأسر الريفية التي تعتمد على المواشي كمصدر أساسي للدخل والغذاء. لاحظت لجين خلال عملها الميداني أن كثيرًا من المربين، وخاصة النساء المعيلات، يقفن عاجزات أمام أمراض المواشي، إذ لا يملكن ثمن الأدوية أو أجور الأطباء البيطريين.
”لم أتردد في مدّ يد العون، فاستخدمت الأدوية المتوفرة لدي حتى نفدت، ثم واصلت شراءها على حسابي الشخصي، كي أقدم العلاج مجانًا لأصحاب المواشي في القرى“. قالت لجين.
مع انتشار خبر مبادرتها، بدأ الناس يتوافدون إليها يوميًا من القرى المجاورة، حتى أصبحت تعالج يوميًا ما بين ست إلى عشر أسر لمواشيها. على حد قولها.
تجاوزت جهود لجين حدود العلاج لتشمل التوعية والإرشاد البيطري، إذ أدركت أن إنقاذ الثروة الحيوانية لا يتحقق فقط بالدواء، بل بالمعرفة أيضًا؛ فكانت تنظم ورشات توعوية ميدانية تشرح فيها للنساء الريفيات طرق العناية بالمواشي، وأساليب الوقاية من الأمراض.
تحولت مبادرة لجين إلى نموذج للجهد الفردي الذي يمكن أن يحدث تغييرًا حقيقيًا في المجتمع، فمشروعها الذي بدأ من سطح منزل متواضع، أصبح اليوم مصدر إلهام للكثيرين، ورسالة أمل تُعيد الاعتبار لأهمية الثروة الحيوانية كمصدر رزقٍ لصمود الأسر الريفية في ظل الظروف الصعبة.
جهدٌ فردي لحماية المواشي
تقول لجين لـ منصة (صلات): “نزلت إلى تسع محافظات يمنية، وفي كل محافظة نفذت دورتين تدريبيتين استهدفت مربيات الثروة الحيوانية في القرى إذ بلغ عدد المستفيدات في كل دورة ما بين 20 إلى 30 امرأة، بإجمالي نحو 300 متدربة”.
وتتركز أنشطة لجين في التوعية والإرشاد والعلاج البيطري المجاني، وهي تقوم بهذه المهام بجهدٍ شخصي يوازي عمل الكثير من المؤسسات، توضح قائلة: “أعمل بالتعاون مع مؤسسات توفر لي بدلًا ماليًا مقابل التدريب فقط، أما الأدوية البيطرية فأتحمل تكلفتها بالكامل على حسابي الشخصي، أستخدم هذه الأدوية لعلاج الثروة الحيوانية في القرى المستهدفة أثناء الدورات التدريبية التي تمتد لأكثر من أسبوع، حتى تتحسن الحالات المصابة، خاصة تلك التي تحتاج إلى تطعيمات ضد الفيروسات”.
ولا يقتصر هدف لجين على تقديم العلاج، بل تسعى إلى نشر الوعي والمعرفة البيطرية بين النساء الريفيات اللاتي يحصلن على مشاريع تمكين اقتصادي تشمل الأغنام والأبقار والحلابات.
“أدرّب النساء على رعاية حيواناتهن والتعامل مع الحالات المرضية البسيطة، لأن معظمهن يفتقرن إلى المعرفة البيطرية ويعانين من ارتفاع تكاليف العلاج أو انعدام الأطباء في مناطقهن”.قالت لجين.
وعلى الرغم من أهمية ما تقوم به، لم تكن الطريق سهلة؛ فالمبادرة – كما تقول – قائمة بالكامل على جهدٍ فردي خالص، ولم تتلقَّ حتى اليوم أي دعم من جهة رسمية أو خاصة لتغطية تكاليف الأدوية البيطرية “كل ما أقدمه من علاج بيطري يتم بمجهود شخصي وعلى حسابي الخاص، ورغم أنني أعمل لخدمة المجتمع، إلا أنني واجهت هجومًا من بعض زملاء المهنة الذين لم يرحبوا بفكرتي”؛ على حد تعبيرها.
وتشير لجين الوزير أن هذا الرفض لم يثنها عن المضي قدمًا، فجهودها الميدانية أثمرت عن تأثير ملموس على مستوى الوعي المجتمعي، وأعادت الاهتمام بتربية الحيوانات كمصدر دخلٍ أساسي في الريف. ومع اتساع شهرتها، باتت منصاتها في “تيك توك” و”فيسبوك” نافذةً للتثقيف البيطري الريفي.
وتقول لجين: “الفيديوهات التي أنشرها تصل إلى القرى في مختلف محافظات اليمن شمالًا وجنوبًا، ويتواصل معي مربو الماشية للاستفادة من النصائح والإرشادات، حتى جيراني بدأوا يربّون الأغنام والدجاج بعد أن كانوا يتجنبونها خوفًا من نفوقها بسبب الجهل بالعلاج”.
إنقاذ المواشي وحماية مصدر رزق الأسر الريفية
أنقذت لجين خلال مبادرتها آلاف الحيوانات وحمت مصدر رزق مئات الأسر في القرى النائية اليمنية، حتى الآن تمكنت من إنقاذ نحو 1500 رأس من المواشي في الميدان، إضافة إلى عدد كبير من الاستشارات الهاتفية التي تلقتها من مربّي الثروة الحيوانية في مختلف محافظات الجمهورية.
تقول لجين: “أن الحيوانات التي عالجتها واجهت أمراضًا خطيرة مثل الانتفاخات، الحبوب في الفم، الحُمّى القلاعية وأمراض “الشباج”، وكان بعضها على وشك الموت، “وفي بني مطر وحدها، من بين 120 رأسًا مصابة، توفي ثلاثة فقط وتم إنقاذ الباقي بفضل الجهود الميدانية المجانية للمبادرة”، ما عكس أهمية التدخل الفوري في حماية الثروة الحيوانية”.
لم يكن العمل سهلاً، إذ واجهت “لجين” تحديات عده منها بأنها اضطرت لجين للنزول إلى القرى بمرافقة محرم بسبب تقدم سن والديها وضعف صحتهما، بينما واجهت الطرق الجبلية الوعرة، وظروف العيش الصعبة، بالإضافة إلى جهل بعض مربّي المواشي واعتقادهم بالخرافات وتقاليد العين والسحر، ما زاد من صعوبة مهمتها، كما تصف.
ورغم هذه التحديات، تصدت لجين لعراقيل رسمية أيضًا، بعد أن قدمت إحدى الجهات شكوى ضدها لدى وزارة الزراعة، لكنها تعاملت مع الوضع عبر التواصل المجتمعي على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تضامن معها الأهالي وتدخلت الوزارة لدعم المبادرة.
ومن أبرز اللحظات التي عاشتها لجين، حالة بقرة في محافظة ذمار كانت على وشك الذبح بسبب عجزها عن التبول والإخراج منذ الصباح، إذ قالت لجين: “اتصل بي المزارعون الساعة التاسعة والنصف مساءً، وكانت البقرة على وشك الموت، لكننا تمكنا من إنقاذها أمام أعينهم، وكان هذا موقفًا مؤثرًا للجميع”.
تثبت هذه التجربة أن مبادرة لجين تجاوزت حدود التوعية البيطرية لتصبح رسالة حياة للأسر الريفية، تمنحهم المعرفة والمهارات اللازمة لحماية مواشيهم، وتعيد الثقة بالثروة الحيوانية كمصدر أساسي للرزق والأمن الغذائي، مؤكدة أن العلم والمثابرة قادران على إنقاذ الأرواح وتحقيق التغيير المجتمعي.
مستقبل الثروة الحيوانية في اليمن
تحذر الدكتورة “لجين الوزير” من أن مستقبل الثروة الحيوانية في اليمن مهدد بالانقراض إذا استمر الوضع الحالي دون تدخل فعلي من الجهات الرسمية، وتشير إلى أن غياب الأطباء البيطريين في القرى، وعدم وجود عيادات بيطرية في الأرياف، وارتفاع أسعار الأدوية يجعل الأسر الفقيرة غير قادرة على حماية مواشيها، مما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الثروة الحيوانية ومصدر رزق مئات الأسر.
وتضيف بأنها تسعى لتوسيع مبادرتها لتصل إلى كل قرية، حيث تقدم العلاج البيطري مجانًا، رغم اقتراح البعض أخذ جزء من قيمة العلاج، مؤكدة رفضها ذلك نظرًا للقدرة المالية المحدودة للأسر الريفية: “الوضع المادي للناس ضعيف جدًا إلى درجة أنها تموت بقرة ولا يستطيعوا دفع قيمة العلاج ثلاثة آلاف ريال يمني”، حد وصفها.

كما تخطط لجين لتقديم المبادرة عبر الإنترنت، من خلال إرشادات واستشارات علاجية للمزارعين، مع استمرار الاستشارات الهاتفية مجانًا، لضمان وصول المعرفة إلى جميع مربّي المواشي في مختلف المحافظات، وترى أن استمرار العمل الميداني يتطلب دعمًا لوجستيًا وماديًا، يشمل امتلاك سيارة دفع رباعي للتنقل في المناطق الوعرة، وتمويل مشتريات الأدوية، وتغطية تكاليف التنقل التي قد تصل إلى مئات الدولارات لبعض المحافظات.
وتوجه الوزير رسالتها للشباب العاملين في المجال البيطري والزراعي، مؤكدة على أهمية البدء بمبادرات صغيرة عبر الإنترنت، ونقل المعرفة بشكل عملي ووصولها مباشرة للمزارعين. كما تدعو الجهات الرسمية إلى إنشاء عيادات بيطرية في كل قرية، وتوظيف أطباء براتب مناسب لضمان استمرارية الخدمة، مع تطبيق برامج تحسين السلالات مثل تسطير الأغنام الذكور لرفع جودة اللحوم وزيادة الدخل القومي.
وتختتم لجين حديثها بالتأكيد على أن هذه الخطوات ضرورة لحماية الثروة الحيوانية في اليمن، وضمان مصدر رزق الأسر الريفية، وتحقيق الأمن الغذائي للمجتمع بأكمله، مؤكدة أن العلم والمعرفة والتدخل المباشر يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا على الأرض.
ـــ
* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من منظمة اليونسكو (UNESCO).
