الضالع: حرمان النساء من الميراث بحجة الوقف

التقارير, القصص والملتيميديا, المقالات

خديجة خالد (صلات)

في قرية الهيجم الريفية بمحافظة الضالع جنوب اليمن، حيث البيوت متقاربة والناس يعرفون تفاصيل بعضهم، برزت معاناة أربع شقيقات، لم يكن يتوقعن أن يخذلهن أقرب الناس إليهن وهو الأب. 

عندما توفي ولداهن، ظنّت البنات أن الأيام المقبلة ستكون امتحان الصبر فقط، لا امتحان العدالة. لكن ما إن اجتمع الورثة، ليكتشفن حقيقة صادمة: كل أموال والدهن، من أراضٍ ومحلات وممتلكات حُولت قبل وفاته إلى وقف خيري، ووُضع أخوهن الوحيد وصياً عليه. القرار لم يُترك للصدفة؛ الأب وثّق كل شيء، تاركًا خلفه ظاهرًا من الفضيلة، وباطنًا من الحرمان.

كان الوقف مخصصًا لبناء مسجد متواضع في القرية. مسجد صغير لا يحتاج 5% من تلك الأموال، لكنه أصبح الغطاء المثالي لحرمان البنات من ميراثهن الشرعي. فالعرف السائد هناك يقول إن المرأة لا ترث من الوقف، مهما بلغ حجم المبالغ أو وضعتها الشرعية. وبذلك، انتقلت ثروة الأسرة كلها إلى يد الابن، ليس كوارث، بل كحاكم مطلق. 

بنوع من المرارة، تسألت الشقيقات:” لماذا فعل والدانا ذلك؟ وبأي منطق تُستبدل العدالة بالعرف، والرحمة بالتمييز“. لكن المجتمع لم يترك لهن فرصة لطرح الأسئلة. فالجميع يردد: “ما دام وقف، خلاص. أنتن ما لكم منه شيء.” 

ترك ذلك القرار أثرًا ثقيلًا في نفوسهن. الأخت الكبرى (شيماء) وهذا ليس أسمها الحقيقي، كانت تطمح لافتتاح مشروع صغير يعين أبناءها. أما شقيقتها الثانية كانت تنتظر نصيبها لتكمل تعليمها بالدراسات العليا. في حين ترى الشقيقة الثالثة في الميراث حقًا يعوض سنوات التعب مع الأب. أما أختهن الصغرى، فكانت تبكي بصمت، تشعر بأن الظلم جاء من داخل بيتها لا من خارجه.

تحويل المال إلى الوقف

وسط كل هذا الأمر، كان عبدالرحمن (29 عاماً) وهو أحد شباب القرية، ويدرس في كلية الإعلام، كان هو الوحيد الذي وقف إلى جانب الشقيقات الأربع.

يقول عبدالرحمن في حديثه لـ منصة (صلات): ”الأصعب من كل ذلك كان تحوّل الأخ. فقد أصبح الرجل الوحيد الذي يمسك مفاتيح الوقف، ويتصرف في الميراث، ويبني المسجد بالشكل الذي يريد، ويقرّر لمن تُصرف الفوائد إن صُرفت أصلاً.“ ووسط احتياج شقيقاته البنات، كان يزداد نفوذًا، ويختبئ خلف جملة واحدة:
“هذا وقف، وأنا مجرد ناظر عليه.” 

ومع اكتمال المسجد الصغير الذي اكتمل بناؤه سريعًا، نظرات الشقيقات الأربع إليه كوسيلة لحرمانهن من حقهن الشرعي. على حد قولهن. وإزاء ذلك كله، ظلّ مجتمع القرية صامتًا. فالناس يخشون كسر العرف، والبنات يخشين اتهامهن برفض وصية أباهن.

العُـرف ضد الشرع 

يقول عبد الرحمن: ”خلال لقائي مع إحدى الشيوخ من الوجاهات الاجتماعية في القرية، أوضح موقفه بصراحة حين قلت له إن القانون والشرع يقرّان بحق المرأة في الميراث من الوقف. فردّ عليّ الشيخ: ”تريدوا تكسروا عرفنا؟ هذا عُرف من عهد الإمام والاحتلال البريطاني، النساء لا ترث من أموال الوقف“.

هذا الرد، بدى وكأنه تعبير عن قناعة جماعية متجذّرة في المجتمع، حيث تُعلو فيه العادة على النص، ويُعامل العرف كأنه شريعة لا تقبل النقاش. 

في هذا السياق، ذكر الدكتور عبد المؤمن شجاع الدين، استاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء، في مقالة نشرت على منصات الانترنت، مفادها أن ”المرأة اليمنية (الابنة) ترث من مال والدها الوقف، وتحديداً في الوقف الذري (الخاص)، حيث استقرت أحكام القضاء في اليمن والمحكمة العليا (منذ عام 1999) على أن الاستحقاق في الوقف الذري يكون للذكر والأنثى على السواء. لا يتم تقسيم “عين” الوقف نفسه، بل توزع عوائده وثماره بين الأبناء والبنات“.

لا تُعتبر مطالبة النساء بحقوقهن اجتهادًا مشروعًا، بل خروجًا عن “النظام الاجتماعي”، ومحاولة لزعزعة ما يصفه المجتمع بـ«الثوابت». وهكذا يُرسَّخ هذا الاعتقاد بشكل متوارث، ليس بالقانون، بل بالضغط الاجتماعي، وبالتخويف من كسر العرف، وبتحميل النساء مسؤولية أي خلاف أسري أو مجتمعي قد ينشأ 

الدعم من القانون 

لم يقف عبد الرحمن، طالب الاعلام مكتوف الأيدي. بل قرر أن يبحث لهن عن مخرج قانوني يعيد لهن حقًا سُلب باسم الوقف والعرف. وعدهن بأن يطرق كل الأبواب الممكنة، وكانت أولها باب القضاء. توجّه الشاب إلى القاضي علي مثنى الحصيني، رئيس محكمة استئناف الضالع، حاملاً سؤالًا مباشرًا: ”هل يحق حرمان البنات من الميراث بحجة الوقف؟.“

جاء رد القاضي الحصيني واضحًا وحاسمًا. وقال أن ”بعض هذه الممارسات كانت موجودة في فترات سابقة، حيث كان بعض الرجال يوقفون ممتلكاتهم على الذكور دون الإناث، أو على الأبناء مع استبعاد بنات البنات “. غير أن هذا النمط -بحسب القاضي- انتهى قانونيًا منذ الثمانينيات.

وبيّن القاضي الحصيني، رئيس محكمة استئناف الضالع، أن قانون الوقف الشرعي أوجب على القاضي إلغاء أي وقفية يثبت فيها الحرمان، وفقًا للمواد (40–46)، باستثناء الحالات التي مرّ عليها أكثر من أربعين عامًا، ومع ذلك يظل للقاضي سلطة إلغاء الوقف إذا ثبت أن أولاد الإناث في حالة فقر أو حاجة.

وأضاف: “أن مثل هذه التصرفات تمنح البنات حق التقدم بدعوى تقسيم تركة، وفي هذه الحالة يقوم القاضي بإلغاء الوقفية وتقسيم الميراث وفقًا للشرع. أما في الحالات التي يُبنى فيها مسجد أو يُستخدم الوقف لغرض ديني، فإن القاضي ينظر في النية؛ فإذا ثبت أن القصد من الوقف هو حرمان البنات، فإن إلغاء الوقفية يظل خيارًا قانونيًا قائمًا”.

أصوات الشقيقات ترتفع

فتح هذا الرد باباُ للأمل للشقيقات الأربع. لم يعد الصمت خيارًا، ومع وقوف عبدالرحمن إلى جانبهن في مسار قانوني واضح. وفي العام ذاته، منحنه وكالة رسمية، وتقدمن عبره إلى المحكمة بدعوى تقسيم التركة وإبطال الوقف، حاشدات كل ما توفر لديهن من أدلة تكشف الحيلة التي صيغ بها الوقف، والدور الذي لعبه الأب والابن في حرمانهن من حقهن الشرعي.

دخلن أروقة القضاء وهن يدركن أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنهن اخترن المواجهة بدل الصمت. ومع أن القضية ما تزال عالقة في المحكمة، لم ترَ بعد نور العدالة، فإن مجرد اتخاذ هذه الخطوة كان كسرًا لحاجز الخوف، في بلد أنهكته الحرب وأضعفت فيه مؤسسات العدالة.

بالنسبة لهؤلاء الشقيقات، لم تعد القضية مسألة ميراث فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا ورسالة واضحة: أن الحق لا يسقط بالصمت، وأن الوقوف في وجه العرف الجائر، ولو داخل قاعة محكمة، هو بداية استعادة الكرامة.

الأثر الاجتماعي والنفسي

يقول الباحث الاجتماعي، صلاح الحقب، لـ منصة (صلات): ”حرمان البنات من الميراث عبر الوقف لا يقتصر أثره على الجانب المادي، بل يخلّف جرحًا نفسيًا عميقًا داخل الأسرة نفسها. فالإحساس بالظلم، حين يأتي من الأب أو من أقرب الأقربين، يولّد شعورًا بالخذلان وفقدان الأمان، ويكسر فكرة العدالة داخل البيت، التي تُعدّ أساس التماسك الأسري“.

ويضيف ”مثل هذه القرارات غالبًا ما تؤدي إلى تدهور العلاقة بين الأشقاء، إذ يتحول الأخ من سندٍ مفترض إلى طرفٍ في النزاع، وتُستبدل روابط الدم بحواجز من الشك والمرارة. ومع مرور الوقت، لا يبقى الخلاف قانونيًا فقط، بل يتسرب إلى العلاقات اليومية، والزيارات، وحتى الذكريات المشتركة“.

أما على المستوى المجتمعي، فيشير الحقب إلى أن نظرة المجتمع للبنات تتغير فور مطالبتهن بحقوقهن؛ إذ يُنظر إليهن بوصفهن “مُشكلات” أو “كاسرات للعرف”، لا كصاحبات حق. هذا الضغط الاجتماعي يدفع كثيرًا من النساء إلى الصمت، خوفًا من الوصم أو العزلة، ويحوّل المطالبة بالحق إلى عبء نفسي إضافي، في بيئة تفضّل السلام الاجتماعي الزائف على العدالة الحقيقية.

ــــــــــــــ

* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من منظمة اليونسكو (UNESCO).

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top