تعز: الإنجاب القسري احدى صور العنف القائم على النوع الاجتماعي

القصص والملتيميديا, المقالات

■ أمة الله عبدالله (صلات)
في محافظة تعز جنوب غرب اليمن، تكشف شهادات نساء من المدينة والريف ومخيمات النزوح عن واقع قاسٍ تعيشه
كثير من النساء. حيث يتحول الإنجاب المتكرر من خيار إنساني إلى أداة ضغط وسيطرة تُقيّد حق المرأة في اتخاذ القرار
بشأن جسدها وصحتها وحياتها. ففي مجتمع تُحمَّل فيه النساء وحدهن مسؤولية الأسرة، تصبح الأمومة القسرية أحد أشكال
العنف غير المرئي، الذي ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والجسدية للمرأة، ويحد من مشاركتها في الحياة الاجتماعية
والاقتصادية.
وقائع من الميدان
تروي أم محمد، وهي شابة في العشرينات من عمرها تعيش في مدينة تعز ولديها ثلاث بنات، أن الضغوط التي تواجهها لا
تأتي من زوجها المغترب في السعودية فقط، والذي لا يزور الأسرة إلا كل عامين، بل من محيطه الاجتماعي أيضًا تضيف
إن قناعات الآخرين كانت حاضرة بقوة في قرارات زوجها.
“كان يُقال لزوجي إن الزوجة يجب أن تنجب باستمرار، وألا تستخدم وسائل منع الحمل، حتى تبقى منشغلة بالأطفال، ولا
تسأل عن زوجها أو تطلب منه شيئًا.”
وتوضح أن هذه الأفكار تحولت إلى قرارات مفروضة عليها دون نقاش، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء التربية
والضغط النفسي والقلق المستمر على صحتها.
في احدى مخيمات النزوح بمحافظة تعز، تبدو المعاناة أكثر قسوة. أم سمية، وهي أم نازحة لثمانية أطفال، تشرح لمنصة
(صلات) كيف حُرمت من حقها في تنظيم الأسرة.
“كنت أطلب أن أرتاح قليلًا وأهتم بأطفالي، لكن زوجي كان يمنعني من استخدام أي وسيلة لمنع الحمل، بحجة الحفاظ على
صحتي، بينما كان إخوته يحرضونه حتى أبقى منشغلة بالأطفال.” قالت ام سمية.
وتضيف أن “الحمل المتكرر فاقم من معاناتها الصحية والنفسية، خاصة في ظل الفقر وغياب الخدمات الصحية، وهو ما
جعل حياتها أكثر هشاشة“.
أما أم فاطمة، وهي امرأة في الأربعينات تعيش في ريف تعز ولديها تسعة أطفال، فتختصر تجربتها بمرارة قائلة: ”الإنجاب
المتكرر كان وسيلته لإبقائي مشغولة طوال الوقت. لم أعد أعتني بنفسي، ولا أعرف ماذا أريد أنا.“
تنقل أم فاطمة بحديثها هذا، شعورًا شائعًا بين نساء كثيرات، حيث تُمحى رغباتهن الشخصية تحت ثقل المسؤوليات
المتراكمة.
تحديات جمة
في حديثها لـ منصة (صلات)، توضح الناشطة الاجتماعية، جميلة المسني، أن ”الفقر وقلة الوعي والتعليم من أبرز أسباب
انتشار الإنجاب المتكرر، خصوصًا في المجتمعات الأقل ثقافة“. وتقول لـ (صلات): ”الأسر الأكثر فقرًا غالبًا ما تنجب عددًا
أكبر من الأطفال، دون مراعاة للفارق العمري أو الاهتمام الكافي بالصحة والتعليم“.
وعلاوة على ذلك، ترى جميلة المسني أن ”العادات والتقاليد السائدة تلعب دورًا كبيرًا في فرض الإنجاب على المرأة بغرض
التباهي الاجتماعي، مع إقصائها من اتخاذ القرار، حيث يُنظر إلى القرار الإنجابي في كثير من الأسر على أنه حق حصري
للرجل“.
وتلفت المسني إلى أن بعض الأسر تعتمد على الأطفال كوسيلة اقتصادية، سواء عبر التسول أو الحصول على المساعدات،
ما يفاقم من دائرة الفقر ويكرّس أشكالًا مختلفة من الاستغلال، ويزيد من العبء الواقع على النساء.
منع استخدام موانع الحمل
وفيما يتعلق بتنظيم الأسرة، تقول الناشطة الاجتماعية، جميلة المسني أن ”هذه الوسائل تواجه وصمًا اجتماعيًا واسعًا، إذ
تُعتبر في بعض المجتمعات مخالفة للدين أو العادات، نتيجة معتقدات خاطئة متجذرة.“.

”من أبرز هذه المعتقدات الاعتقاد بأن تنظيم الأسرة يؤدي إلى العقم، أو أن الوسائل الحديثة مضرة بالصحة، أو أن تنظيم
الأسرة يعني رفض الإنجاب بشكل مطلق“. وأضافت أن ”هذه الأفكار تنتشر أكثر بين النساء الأقل وعيًا، ما يضعف قدرتهن
على اتخاذ قرار مستنير بشأن صحتهن الإنجابية“.
آثار صحية ونفسية
وتحذر الناشطة جميلة المسني من الآثار الصحية والنفسية للحمل المتكرر، مشيرة أن تكرار الحمل والولادة يزيد من
مخاطر الإجهاض والنزيف وارتفاع ضغط الدم، ويؤدي إلى سوء التغذية والأنيميا لدى الأم والأطفال، إضافة إلى الولادات
المبكرة ونقص وزن المواليد.
علاوة على ذلك، يؤدي هذا الواقع إلى إنهاك جسدي ونفسي شديد للمرأة. وعلى المستوى النفسي، تتعرض النساء لضغوط
عصبية مستمرة تؤثر على العلاقة الزوجية، وتنعكس سلبًا على الأطفال، وقد تقود إلى عزلة اجتماعية وتفكك أسري، على
حد قولها.
من جانبها، تقول الناشطة المجتمعية، منال محمد، لـ منصة (صلات):”إن ظاهرة الإنجاب المتكرر أكثر انتشارًا في
المجتمعات الريفية، نتيجة ضعف الوعي بوسائل تنظيم الأسرة“. وتضيف أن "الزوجة تعاني نفسيًا وجسديًا، وتنشغل
بالأطفال على حساب نفسها، فتنسى حقوقها ولا تجد وقتًا للاهتمام بذاتها".
وفقاً لتقرير الأمم المتحدة ، تواجه حوالي 6 ملايين امرأة وفتاة مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال في اليمن، في حين أن
حوالي 5 ملايين منهن في سن الإنجاب يواجهن صعوبات بالوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية في البلاد.
على ذات السياق، أشار تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية إلى أن جميع أطراف النزاع تمارس انتهاكات على نطاق
واسع ضد النساء تشمل القيود على حركة النساء وعرقلة حصولهن على الحقوق الأساسية مثل العمل والرعاية الصحية.
حلول مقترحة
وترى ناشطات أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب جهدًا مشتركًا، يبدأ بدعم الزوج للمرأة في اتخاذ قرار تنظيم الأسرة، ويمر
بتغيير الخطاب المجتمعي الذي يربط قيمة المرأة بعدد أبنائها، وصولًا إلى توفير خدمات صحية وإنجابية قريبة ومجانية،
وتبني سياسات تحمي الحقوق الإنجابية للنساء وتضمن لهن حق الاختيار.
لا تتعلق هذه القضية بعدد الأطفال، بل بحق المرأة في الاختيار، وفي حياة كريمة لا تُختزل في الإنجاب فقط. فتح النقاش
المجتمعي، وتوفير التوعية الصحية، وتمكين النساء معرفيًا وقانونيًا، تبقى خطوات أساسية لكسر دائرة الأمومة القسرية في
تعز واليمن عمومًا.

 

* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من اليونسكو (UNESCO).

 

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top