■ خديجة الجسري (صلات)
في قرية ريفية صغيرة في أقصى جبال محافظة الضالع جنوب اليمن، عاش محسن المريسي (51 عاماً) سنوات طويلة أسيراً لقناعةٍ توارثها عن آبائه: “البنت مكانها البيت، لا حاجة لها بالتعليم”. كان رجلاً يحترم التقاليد ويتمسّك بالعادات، لكن لحظة واحدة قلبت كل تلك القناعات رأساً على عقب.
ذات مساء، شاهد محسن دموع ابنته فاطمة (29 سنة) وهي تتوسل الورقة الطبية في يدها لتكشف له ما كُتب فيها عن مرض طفلها، لكنها لم تستطع قراءتها. لم يكن زوجها موجوداً، ولم يكن هناك من يعينها. حينها أدرك محسن أن الجهل ليس عجزًا شخصياً فحسب، بل عبء يجرّ العائلة كلها إلى المعاناة.
ذلك الموقف البسيط، كما يصفه سكان قرية الجب بالضالع، كان الشرارة التي دفعت محسن إلى كسر جدار الصمت. بدأ يتحدث مع وجهاء قريته عن حق البنات في التعليم، فواجه سيلاً من الاعتراضات. “هذه عاداتنا… لا تغيّرها”، قال له البعض. لكن إصراره كان أقوى من الرفض.
في خطوة غير متوقعة، تبرّع محسن بقطعة أرض يملكها ليحوّلها إلى فصل دراسي للبنات. أحضر معلمة من منطقة قريبة، وساهم في تجهيز المستلزمات للفتيات اللواتي تنتمي كثيرات منهن لأسر فقيرة. لم تكن مهمته سهلة، لكنها حملت معها حلمًا أكبر من كل العوائق: أن ترى القرية أولى بناتها يحملن كتبًا بدلاً من جرّ المياه أو الانشغال بأعمال البيت.
حلم خارج قطعة الأرض
حين علم الصندوق الاجتماعي للتنمية – فرع عدن – بالمبادرة التي بدأها محسن، قرر أن يحتضن الحلم ويمنحه جناحين أوسع، فبنى ستة فصول دراسية جديدة في القرية. وسرعان ما تسابقت بناتها للتسجيل، في مشهد لم تألفه العيون من قبل.
لكن محسن لم يكتفِ بذلك، بل واصل دعمه للمشروع. جلب معلمات من مناطق قريبة لقريته، بل وزوّج ابنيه محمد وعبدالناصر من فتاتين متعلمات من مدينة الضالع، لتصبحا جزءاً من كادر التدريس في مدرسة “الجب” للبنات.
لم يكن الحلم مجرد قطعة أرض تحوّلت إلى فصل دراسي، بل رؤية أبعد من ذلك. لذلك قصد محسن مكتب التربية والتعليم في المحافظة، حيث طرح قضيته بإصرار، مطالباً باعتماد المدرسة رسمياً، وصرف رواتب للمعلمات، وتعيين مدير ووكيل، إلى جانب توسيع المبنى.
ولم تكن جهوده عبثاً؛ فقد لاقت مطالبه القبول والدعم من مكتب التربية ووزارة التعليم، وتكاتف أبناء القرية والمجلس المحلي لتوسيع المبنى وتجهيزه. ومع دخول الصندوق الاجتماعي على الخط مجدداً، جرى تطوير المدرسة حتى وصلت إلى الصف الثالث الثانوي، لتفتح أبوابها أمام الفتيات الراغبات في استكمال مشوار التعليم.
ومع كل توسعة، التحق معلمون جدد، واتسعت معها أحلام القرية كلها. لم يعد المشهد مقتصراً على بنات صغيرات يحملن كتبهن لأول مرة، بل أصبح التعليم واقعاً حياً يغيّر الحياة، ويمنح الفتيات مستقبلًا طالما حُرمن منه.
الرسالة والدلالات الإنسانية
لم تعد قصة محسن مجرد حكاية عن رجل تبرّع بقطعة أرض، بل أصبحت رمزاً إنسانياً حياً يُجسّد أن التعليم حق أساسي لا يفرَّق فيه بين ولد وبنت. لقد أثبت أن لحظة صغيرة – حين فتح أول فصل للبنات – كانت كفيلة بإحداث زلزال في وعيٍ اجتماعي متجذّر، لتتحول القرية من مكان يقيّد أحلام الفتيات إلى فضاء يفتح لهن أبواب المستقبل.

وزارة التربية والتعليم بدورها أشادت بالمبادرة على لسان الأستاذة أبتسام محمد مديرة المشاركة المجتمعية بالوزارة ، معتبرة أن ما فعله محسن نموذج يُحتذى به في الريف اليمني، فيما عبّرت إدارة التربية والتعليم بالضالع عن فخرها بهذا الإنجاز الذي غيّر وجه التعليم في المنطقة. كما أبدت منظمات المجتمع المدني تقديرها العميق لهذه التجربة الملهمة، التي أظهرت أن التغيير لا يحتاج دائماً إلى موارد ضخمة، بل إلى إيمان وإصرار.
اليوم، وبعد خمس سنوات من تلك البداية، تغيّرت ملامح القرية. عشرات الفتيات التحقن بالمدرسة، بعضهن أصبحن على أعتاب الثانوية، وأخريات يحلمن بأن يصبحن طبيبات أو معلمات. بالنسبة لأهالي القرية، تحوّل محسن من رجل محافظ متردد إلى “رمز للتغيير”، ودليل حي على أن قرار فرد واحد قادر على فتح أبواب كانت موصده لعقود.
رسالة أبعد من حدود الضالع
قصة محسن لا تقف عند حدود قريته الصغيرة في الضالع، بل تتجاوزها لتلامس جوهر المعركة التي يخوضها اليمن بأسره مع قيود العادات والتقاليد التي ما زالت تقف سدًا منيعًا أمام تعليم الفتيات. لكنها في الوقت نفسه شهادة حيّة على أن التغيير ممكن، وأن التعليم سيظل السلاح الأقوى في مواجهة الفقر والجهل، كما يؤكد الأخصائي الاجتماعي الدكتور صلاح الحقب.
التجربة لم تُغيّر واقع القرية فحسب، بل غيّرت وعيها أيضًا. “حين تتعلّم البنت، فهي لا تغيّر حياتها فقط، بل حياة أسرتها ومجتمعها”، بهذه الكلمات يلخّص الدكتور ماهر الربيعي – أحد وجهاء القرية الذين انضموا لاحقًا إلى مبادرة محسن – جوهر الرسالة التي حملتها المدرسة الجديدة.
إنها حكاية رجل واحد، لكنها في الحقيقة مرآة لطموح جماعي؛ دليل على أن التغيير لا يحتاج إلى مؤسسات كبرى أو مشاريع عملاقة، بل إلى قلب مؤمن بأن مستقبل الفتيات يستحق أن يُكتب بحروف العلم لا بدموع الحرمان. من الضالع، خرجت هذه القصة لتقول إن المبادرات الصغيرة قادرة على أن تفتح دروبًا كبيرة، وأن تعليم بنت واحدة قد يفتح أبواب الغد لمجتمع كامل.
اليوم، تقف فاطمة المريسي وبنات قريتها على مقاعد الدراسة، يكتبن أحلاماً لم تكن لتُكتب لولا دمعة غيّرت وعي أبٍ، ولولا عزيمة رجلٍ قرر أن يكسر جدار الصمت. إنها رسالة تتجاوز حدود المكان والزمان: أن خطوة صغيرة قد تصنع ثورة في الوعي، وأن ما يبدأ من قلب مؤمن يمكن أن يُنير دروب المستقبل لأجيال لم تولد بعد.
* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من اليونسكو (UNESCO).
