​اليمن: طالبات الإعلام في مواجهة الصور النمطية

التقارير, القصص والملتيميديا, المقالات

عبدالباري قاسم – منصة (صلات)

تعاني رجاء (23 عاما) وهي طالبة في كلية الإعلام بجامعة عدن، من ضعف في النمو الجسدي جعل قامتها أقصر من معظم زميلاتها، لا تتحدث عن ذلك كثيرًا، ولا تقدمه كتعريف لها، لكنها تدرك أن هذا الاختلاف البسيط ظاهريا يضعها في دائرة من التساؤلات غير معلنة حول مدى ملاءمتها للعمل الإعلامي، ومقدرتها على النجاح في بيئة مهنية تعتمد غالبًا على معايير شكلية صارمة.

تقول رجاء: لمنصة (صلات) “أعرف إن طولي أو شكلي هو أول ما يلاحظه الناس، لكنني لم أعد أهتم بأسئلتهم أو القلق من نظراتهم، أدرك صوتي وقدرتي على الطرح هما هويتي، والمهنة التي اخترتها تحترم العقل والمهارة قبل القالب الجسدي. 

لم يكن طريقها إلى قاعة المحاضرات مفروشًا بالورود، فقد واجه شغفها المبكر بمتابعة البرامج وكتابة الملاحظات الصحفية اعتراضًا من والدها، الذي اعتبر دراسة الإعلام تخصصا غير ملائم للفتيات، مقترحا عليها تخصصات أخرى، كالتربية، إلا أن دعم والدتها شكل لديها نقطة تحول مكنتها من تجاوز هذه العقبات، لتبدأ معركتها الخاصة في الحرم الجامعي. 

وتضيف قائلة لـ(صلات): “في البداية كانت نظرات بعض الأشخاص كافية لتشعرني بأنني غريبة، والبعض اعتقد أنني لن أتمكن من إثبات نفسي، لكنني هنا أتعلم وأناقش وأتحدث “

 ​أرقام تعكس الفجوة الجندرية

تاريخيا، حصرت الأعراف الاجتماعية الفتيات، ضمن تخصصات تقليدية كالتربية والعلوم الإنسانية، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت تحولًا ملموسا مع إقبال متزايد من النساء على دراسة الإعلام.

وبحسب تقرير لمركز الدراسات والاعلام الاقتصادي 2017، أن كليات الإعلام اليمنية تخرج سنويًا نحو 140 طالبا وطالبة، تشكل النساء نصفهم تقريبًا، إلا أن الفجوة تظهر بوضوح عند الانتقال إلى سوق العمل، حيث لا يحصل إلا عدد قليل منهن على فرص عمل تخصصية نتيجة غياب السياسات التي تراعي خصوصية المرأة، وارتباط الكثيرات بمسؤوليات أسرية تعيق مسارهن المهني. 

​ويكشف التقرير، أن نسبة الإعلاميات في المؤسسات لا تتجاوز 20٪ مقارنة بالرجال، ويتركز أغلب عملهن في المؤسسات الرسمية مثل وكالة سبأ، وصحيفة 14 أكتوبر.  

وأشار التقرير ذاته، أن الصحفيات المسجلات في النقابة لا يتجاوزن 11٪ وهي أرقام تعكس حجم التهميش والتمييز الذي يواجهن، فضلا عن المخاطر الأمنية العالية التي جعلت الإعلام مهنة شاقة ومكلفة على النساء في ظل الحرب. ومع ذلك، برزت نماذج مشرفة لصحفيات يمنيات كسرن هذه الصورة النمطية. مثل مراسلة الجزيرة هديل اليماني التي نالت جائزة الشجاعة الصحفية، لتؤكد قدرة المرأة على التواجد في قلب الميدان كمراسلة حربية مقتدرة. 

​وفي حديثة لمنصة (صلات) يرى الكاتب الصحفي معاذ مدهش (27 عاماً) أن هذه التحديات تعود في جزء منها إلى طبيعة الضغط المسلط على المرأة عند الظهور، ويضيف: إن التنمر الذي تتعرض له المرأة اليمنية بمجرد ظهورها على الشاشة يعكس عمق الفجوة الجندرية، حيث يركز البعض على نقد المظهر، بدلا من صلب المحتوى، مما يدفع الكثيرات لترك التخصص أو تفضيل العمل خلف الكواليس لتجنب أحكام مجتمعية لا ترحم التنوع. 

​وتوضح الاخصائية النفسية حياة بن بادة، لمنصة (صلات) أن طالبات الإعلام هن الأكثر عرضة للتأثر بالتنمر القائم على الشكل في مرحلة بناء الذات، مشيرة إلى أن الضغوط الناتجة عن الرفض المجتمعي تؤدي لتراجع الأداء الدراسي والانسحاب من الأنشطة، نتيجة تدهور الصحة النفسية وعدم التكيف، وهو ما قد يتطور في حالات معينة إلى عزلة تامة أو سلوك عدواني كفعل دفاعي. 

​تحديات التنوع الجسدي في الجامعات 

​تزداد الحواجز تعقيدًا حين يرتبط النوع الاجتماعي بالتنوع الجسدي، في جامعة تعز، تقدم طالبة الإعلام، هديل محمود نموذجا آخر للإصرار، فرغم فقدانها ليديها إثر قذيفة عام 2017، استطاعت التفوق في الثانوية العامة بنسبة 95.5%. وبالنسبة لهديل، الانتقال إلى البيئة الجامعية كشف عن ضعف وعي المجتمع بحدود الخصوصية وأحقية الاختلاف الجسدي. و​توضح ذلك، بأن الأسئلة المتكررة حول كيفية كتابتها أو إنجازها للمشاريع العملية تعكس نظرة قاصرة ترى في التحدي الجسدي عائقًا أمام التخصص الإعلامي، وتقول: الفضول طبيعي، لكن ليس من حق أحد السؤال عن جسم غيره.

ما تواجهه رجاء وهديل يسلط الضوء على قصور البيئة التعليمية في استيعاب التنوع،  إذ أن النظرات والأسئلة تتحول إلى عوائق نفسية تضاف إلى العوائق اللوجستية التي تفتقر إليها الجامعات اليمنية من حيث التجهيزات المساعدة. 

​وتفرق حياة بن بادة هنا بين نوعين من الإيذاء؛ التنمر المباشر الذي يشمل السخرية والألفاظ الجارحة، والتنمر غير المعلن وهو الأخطر، كونه يعتمد على الإقصاء المتعمد، والعزل، والتلميح، مما يخلف آثاراً سيبكوسوماتية (نفس-جسدية) تعيق مراحل التمدرس وتؤدي إلى الخجل الاجتماعي. 

​الحواجز الهيكلية والفرص الضائعة

​تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية لعام 2020 إلى وجود أكثر من 4 ملايين شخص في اليمن يعانون من تحديات جسدية أو حسية مختلفة، وهو رقم ارتفع في ظل استمرار الحرب ليصل إلى قرابة 5 ملايين شخص حسب تقارير حقوقية دولية. وفي ظل هذا الرقم الضخم، تبرز فجوة تعليمية حادة، إذ تكشف تقارير اليونيسف أن أقل من 10٪ من الفتيات اللواتي يواجهن تحديات جسدية تتاح لهن فرصة الحصول على التعليم. 

لا يعود هذا الحرمان إلى نقص في القدرات الفردية، بل إلى غياب السياسات التعليمية، فالكليات اليمنية تفتقر في كثير من الأحيان إلى ممرات مجهزة أو تقنيات مساعدة تضمن استقلالية الطالب ذات الاختلاف الجسدي، وهو ما يجعل فعل الدراسة بحد ذاته عملا نضاليًا يوميا. 

​الإعلام كنافذة للتغيير

رغم كل التحديات تقدم تجارب مثل رجاء وهديل، صورة تعكس حضور الارادة في مواجهة الظروف، والاستمرار في الدراسة والمشاركة في الأنشطة،  والتفاعل داخل الجامعة، تمثل محاولات لإعادة تعريف الذات بعيدا عن التصورات.

وترى الاخصائية حياة بن بادة أن الإعلامي عرضة للتنمر لأنه يتعامل مع كل شرائح المجتمع، لكنها تؤكد أن “لب الحكمة يكمن في زيادة الثقة في النفس وفرضها، فليس ما يراه أحدهم قبيحًا هو بالضرورة قبيح لدى الآخر” وتستشهد بن بادة بأمثلة عالمية لشخصيات تعرضت للتنمر في بداياتها لكنها جعلت من أدائها المميز مدرسة، مشددة على أن الشخصية هي ما يصنع النجم الإعلامي وليس الجمال الشكلي. 

انتج هذا التقرير لمنصة (صلات)، بدعم وتمويل من منظمة اليونسكو (UNESCO)

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top