مهمشات من تعز: الأمل يولد من تحت الركام

القصص والملتيميديا, المقالات

شيماء الغليسي (صلات)

من داخل الأحياء الفقيرة في محافظة تعز جنوب غرب اليمن، ومن مساكن هشة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، انطلقت عدد من النساء من فئة المهمشين ليكتبن تاريخًا مختلفًا لأنفسهن ولغيرهن، اخترن أن يقفن في وجه الفقر والتمييز والنظرة الدونية، وفضلن أن يحملن أحلامهن على أكتافهن بدلًا من الاستسلام لليأس.

التعليم سلاح سميرة

المحامية سميرة قائد سالم نبيش (36 عاماً)، شقت طريقها عبر تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، لتصبح اليوم مديرة للشؤون القانونية في مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بمدينة تعز. وهي تستعد حالياً لنيل الدكتوراه في القانون، لكنها ما زالت تتذكر كل خطوة شاقة عبرتها. 

في حديثها لمنصة (صلات) تقول سميرة: “شعرت أني كسرت القيود حين تحديت التمييز وتعلمت حتى وصلت إلى الماجستير وما زالت التحديات تواجهني”.

رحلة سميرة تكشف حجم التحدي الذي يعيشه أبناء هذه الفئة حين يرغبون في التعليم العالي، فبينما تُمنح مقاعد مجانية لفئات أخرى في الماجستير والدكتوراه، لا يجد المهمشون حتى مقعدًا واحدًا. وبالرغم من ذلك لم تستسلم سميرة، بل حوّلت العقبات إلى دافع لمواصلة المشوار، معتبرة أن الحل يبدأ حين تتبوأ المرأة المهمشة المناصب القيادية مثلها مثل أي امرأة يمنية أخرى.

تجربة أخرى

الشابة ريمان علي (30 عاماً)، وهي ابنة أسرة فقيرة من تعز، آمنت مبكرًا بأن التعليم والعمل المجتمعي هما الطريق الوحيد للخروج من دائرة التهميش. درست بجد وانخرطت في دورات تدريبية، حتى شاركت في تأسيس جمعية “حياتنا للتعايش والتنمية” في العام 2022، لتصبح عضواً في هيئتها الإدارية العليا. 

وتقول ريما لمنصة (صلات): “بالنسبة لي كان هذا الإنجاز رسالة واضحة بأن المهمشة تستطيع أن تكون قائدة حين تُمنح الفرصة”.

برغم الصعوبات، تواصل ريمان المضيّ بخطوات ثابتة، مؤمنة أن التغيير يبدأ من المبادرات الصغيرة ، مشاركتها في العمل التطوعي فتحت أمامها أبوابًا جديدة ، وجعلتها ترفع صوتها دفاعًا عن النساء اللواتي يعشن في صمت طويل خلف جدران التمييز.

العنف يضاعف الألم

حين تتحدث النساء المهمشات عن حياتهن اليومية تصدمك التفاصيل ، 92% منهن أميات بحسب الاتحاد الوطني للمهمشين، مع ذلك لا تقتصر معاناتهن على الأمية.

وتقول ريمان علي: “النساء المهمشات يعانين من عنف مزدوج ، عنف أسري من الأهل والأزواج، وعنف مجتمعي لفظي وجسدي بسبب العنصرية والنظرة الدونية”.

هذا العنف يتخذ أشكالًا متعددة، في البيوت كثيرات يتعرضن للقهر والإهانة بسبب الوضع الاجتماعي، وفي الشوارع يتعرضن للتحرش والتنمر فقط لأن لون بشرتهن مختلف ، حتى مساكنهن غير آمنة فهي عرضة للاقتحام والاعتداء ما يجعلهن في حالة خوف دائم.

العمل في الشوارع يزيد الطين بلة، نساء يضطررن للتسول أو العمل في النظافة، وهو ما يعرضهن لانتهاكات متكررة، تقول ريمان لمنصة (صلات): “الكثير منهن لا يبلغن عن الانتهاكات خوفًا من الفضيحة أو الانتقام ، فيظل الألم حبيس الصدور”. هذه الحقيقة تكشف جانبًا من القسوة التي تعيشها المرأة المهمشة يوميًا.

الشابة سعاد عبد الله من منطقة ذبحان الريفية في تعز، بدأت مشروعها في تصميم المناسبات داخل البيت، ثم طورت عملها وافتتحت استديو تصوير.

لم يكن الطريق سهلًا، إذ واجهت سعاد مضايقات وتهديدات وحتى محاولات لإغلاق محلها فقط لأنها “امرأة سمراء” ومع ذلك لم تتراجع. 

وفي حديثها لمنصة (صلات) تقول سعاد: “كل مشروع يواجه عقبات ، لكنني اخترت أن أواجهها ، واليوم لدي فريقي الخاص لتنظيم المناسبات”.

هذه التجارب لا تعكس مجرد نجاح فردي، بل تكشف حجم الإصرار الكامن في نساء رفضن الاستسلام، فبين العنف والخوف ينجحن في كتابة حكايات مختلفة ، حكايات تؤكد أن الهامش ليس قدرًا أبديًا.

خطوات نحو التغيير

رغم قتامة المشهد، تؤمن النساء الناشطات أن التغيير ممكن، كما تقول سميرة نبيش، أن البداية تكون من التعليم، فهو حق. لكن بالنسبة للمهمشات هو معركة يومية، إذ كثيرًا ما يُحرمن من أبسط مقوماته. لذلك تطالب الناشطات بتخصيص مقاعد مجانية لهن في الجامعات والدراسات العليا ، وإلزام الأسر بتعليم بناتهن.

إلى جانب ذلك، لا بد من وجود قوانين واضحة تجرم التمييز وتضع عقوبات صارمة على من يمارسه، فغياب القانون الفاعل هو ما يجعل العنصرية مستمرة بلا حساب، وترى ريمان أن إدماج المهمشات في برامج التنمية الاقتصادية، ومنحهن مشاريع صغيرة كمعامل خياطة أو مراكز تدريب، كفيل بتغيير حياتهن وحياة أسرهن.

الإعلام الرقمي لعب هو الآخر دورًا محوريًا، تقول ريمان: “الإعلام الرقمي أخرجنا من عمق الزجاجة، وساعدنا على إبراز قصص نجاحنا ونقل أصواتنا”. هذه المنصات منحت النساء المهمشات مساحة للتعبير عن أنفسهن ، وساهمت في كسر الصورة النمطية التي رسمها المجتمع لهن.

رسالة النساء المهمشات واضحة: لا نطلب شفقة، بل فرصًا عادلة ، التعليم ، القوانين ، والتمكين الاقتصادي ليست رفاهية ، بل حقوق أساسية. وبينما الطريق لا يزال طويلًا، فإن تجارب النساء مثل سميرة وريمان وسعاد تؤكد أن التغيير ممكن، وأن الأمل يمكن أن يولد من بين الركام.

ـــ

* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) بدعم من منظمة اليونسكو (UNESCO).

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top