اليمن: الزواج المبكر انتهاك لحقوق الفتيات

التقارير, القصص والملتيميديا

تقرير: ماريا البتول (صلات)

لم تعرف نور طفولتها كما ينبغي؛ إذ وجدت نفسها في ثوب الزفاف قبل أن تبلغ الرابعة عشرة من عمرها، حاملة أحلامًا لم تصنعها بنفسها، بل صاغتها عائلتها لتبرير زواج مبكر لم تختره.

زُوّجت هذه الطفلة، لرجل يكبرها بعقود، دون أن تمتلك حق الرفض، معتمدة على وعود والدها الذي قال لها: “ستكملين دراستك وتحققين طموحاتك التي تحلمين بها”.

في حديثها لـ منصة (صلات)، قالت نور: ”بعد ثلاثة أشهر فقط من الزواج، بدأت عائلة زوجي تُحمّلني كل أعمال المنزل، وأسندت إليّ مسؤوليات تفوق قدرتي، حتى إنني كنت أُلام على أخطاء لم أرتكبها. ومع مرور الأيام، ازدادت الإهانات والإساءات، وكان زوجي لا يُبالي بشكواي المتكررة“.

حُرمت نور من حقها في الطفولة، إذ أُجبرت على الزواج المبكر قبل بلوغها، في انتهاك صريح لحقها في التعليم والحماية واتخاذ القرار. لم يكن الزواج خياراً من إرادتها، بل نتيجة ضغوط أسرية وتصورات اجتماعية فرضت عليها الارتباط.

تقول نور: ”عندما جاء موعد التسجيل في المدارس، طلبت من زوجي أن يسجلني كما اشترط والدي، لكنه رفض، وتعرضت للضرب والإهانة، وخلال تلك الفترة كنت حاملاً بطفلي الأول، واستمرت الإساءات طوال فترة الحمل“.

وأضافت: “بعد ولادتي لطفلي، قررت طلب الطلاق، لكن زوجي وعائلتي رفضوا ذلك، متمسكين بعادات المجتمع التي تنظر للمرأة المطلقة نظرة دونية، حتى أن والدي اتفق مع زوجي على رفع المؤخر، وقتها تساءلت: هل الطلاق أو الخُلع ليسا حقًا مشروعًا إذا طالبت بهما المرأة”.

تواصل نور حديثها: ”تحملت تسع سنوات من أجل تربية طفلي بعيدًا عن انتقادات المجتمع والعائلة. لم أعد أحتمل أكثر، والآن، بعدما بلغت الخامسة والعشرين من عمري، أدركت أن كل ما تحملته لم يزِدني إلا عقدة من مجتمع تتحكم فيه عادات وتقاليد سلبية“.

”لم أستسلم لكلام أسرتي ولا لعادات المجتمع، ورفعت قضية خُلع، رغم التهرب المستمر من زوجي في جلسات المحكمة، ما زلت مستمرة حتى أنال حقي الشرعي“. قالت نور.

حق المرأة في الطلاق

تقول المحامية لبنى القدسي، نائبة مدير الإدارة القانونية في اللجنة الوطنية للمرأة، لـ منصة (صلات): ”إن قانون الأحوال الشخصية وكل ما يتعلق بالزواج والطلاق والخلع والمواضيع الأسرية الأخرى، أعطى المرأة الحق في طلب الطلاق أو الخلع، وفقًا لشروط معينة حددها القانون، بعضها يتم بموافقة الطرفين، وبعضها يُبتّ فيه عبر المحكمة“.

وتضيف: ”فيما يخص الزواج المبكر، نص قانون الأحوال الشخصية لعام 1992 بعد الوحدة، صراحة على تحديد سن الزواج بـ 15 عامًا للذكر والأنثى، حيث نصت المادة (15) على أنه لا يصح تزويج الصغير، ذكراً كان أو أنثى، قبل بلوغه الخامسة عشرة من العمر“.

وقالت القدسي لـ منصة (صلات): ”القانون رقم (27) لعام 1998، المعدل للقانون رقم (20) لعام 1992، عدّل هذه المادة، فنص على أن عقد الولي على الصغيرة صحيح، ولكن لا يُمكن المعقود له من الدخول بها أو تزف إليه إلا إذا كانت صالحة للوطء، ولو تجاوز عمرها خمسة عشر عامًا، ولا يصح العقد على الصغيرة إلا بثبوت مصلحة. علمًا أن مخرجات الحوار الوطني الشامل لعام 2013 تضمنت تحديد سن الزواج بـ 18 عامًا“.

وتوضح المحامية لبنى القدسي أن التحديات التي تواجه النساء في الحصول على حقوقهن كثيرة، منها: الحرب، الأوضاع غير المستقرة، فقدان الأمن، تدهور الوضع الاقتصادي، الجهل، قلة الوعي بالقوانين الوطنية والدولية، الفهم الخاطئ للدين، العادات والتقاليد السلبية، النظرة الدونية للمرأة، الحرمان من التعليم، استمرار النزوح، فقدان المأوى، وصعوبة وصول النساء إلى العدالة والأجهزة القضائية.

زواج القاصرات: ماذا عن المعالجات؟

ترى الدكتورة وفاء الصلاحي، المرشدة الأسرية، أن ”العنف ضد الزوجة ظاهرة خطيرة تستوجب تدخلًا متكاملًا من المجتمع، والأسرة، والمرأة نفسها. ولمعالجة هذه الظاهرة بشكل جذري، يجب تضافر الجهود من مختلف الجهات لضمان حماية حقوق المرأة وتعزيز الاستقرار الأسري“.

وقالت لـ منصة (صلات): ”التصدي للعنف الزوجي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الجميع:(المجتمع، الأسرة، والمرأة نفسها) عن طريق سنّ القوانين الرادعة، ودعم الأسرة، وتوعية الزوجين؛ بحيث يؤدي إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً واستقرارًا، خاليًا من ظاهرة العنف ضد المرأة“.

وفقاً للمستشار القانوني، علي الصراري، تنتشر هذه الظاهرة بشكل كبير في محافظات المحويت، وحجة، وصعدة وذمار. نتيجة لجهل المجتمع وتدهور الأوضاع الاقتصادية لدى العديد من الأسر.

ويضيف المستشار الصراري في حديثه لـ منصة (صلات): ”قبل الحرب تم رصد أعداد كبيرة لفتيات قاصرات تم تزويجهن، ويتراوح أعمارهن ما بين (9- 12 سنة) وصدرت ذلك في مجلة بعنوان” الأرامل الصغيرة“.

”الزواج في سن مبكر يؤثر على الفتيات؛ إذ يحرمهن من التعليم، ويعرضهن لكثير من الأمراض الخطيرة، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة أثناء الولادة“. قال الصراري.

ولفت المستشار القانوني إلى أن ”الجمهورية اليمنية وقعت على اتفاقيات ومواثيق دولية، لكن الانتهاكات ماتزال مستمرة من قبل المجتمع، مع انتقاص واضح لحقوق المرأة، وبعض المجتمعات تحرمها من حقوقها، وتمارس عليها ثقافة ذكورية مغلوطة، ما يحوّل المجتمع إلى مجتمع ذكوري بحت“.

وحول الجانب القضائي قال المستشار الصراري لـ منصة (صلات): أن ”هناك خللا واضحا، يتزامن مع الإجراءات المنظورة أمام المحاكم، ويتمثل في عدم البت في قضايا الفسخ، وتأخيرها؛ مما ينعكس سلبا على الفتيات وأطفالهن، خاصة فيما يتعلق بالنفقة” مؤكدا بأن ” تأخر القضاة يؤثر بشكل مباشر على مستقبل الفتاة التعليمي والاجتماعي“.

ــــــــــــــ

* أنتجت هذه القصة لمنصة (صلات) عبر منظمة (FVO) وبدعم اليونسكو (UNESCO).

شارك هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top